الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
160
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الشح في بعض الأحيان لما هو معروف بين غالب الناس من معاودة الشحّ للنفوس . والسائل : هو المستعطي ، و الْمَحْرُومِ : الذي لا يسأل الناس تعففا مع احتياجه فلا يتفطن له كثير من الناس فيبقى كالمحروم . وأصل المحروم : الممنوع من مرغوبه ، وتقدم في سورة الذاريات [ 19 ] في قوله : وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ . وهذه الصفة للمؤمنين مضادة صفة الكافرين المتقدمة في قوله : وَجَمَعَ فَأَوْعى [ المعارج : 18 ] . والتصديق بيوم الدين هو الإيمان بوقوع البعث والجزاء ، و الدِّينِ : الجزاء . وهذا الوصف مقابل وصف الكافرين بقوله : إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً [ المعارج : 6 ] . ولما كان التصديق من عمل القلب لم يتصور أن يكون فيه تفاوت أتي بالجملة الفعلية على الأصل في صلة الموصول ، وأوثر فيها الفعل المضارع لدلالته على الاستمرار . ووصفهم بأنهم مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ مقابل قوله في حق الكافرين سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ [ المعارج : 1 ، 2 ] لأن سؤالهم سؤال مستخف بذلك ومحيله . والإشفاق : توقع حصول المكروه وأخذ الحذر منه . وصوغ الصلة بالجملة الاسمية لتحقيق وثبات اتصافهم بهذا الإشفاق لأنه من المغيبات ، فمن شأن كثير من الناس التردد فيه . وجملة إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ معترضة ، أي غير مأمون لهم ، وهذا تعريض بزعم المشركين الأمن منه إذ قالوا : وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [ الشعراء : 138 ] . ووصفهم بأنهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ مقابل قوله في تهويل حال المشركين يوم الجزاء بقوله : وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً [ المعارج : 10 ] إذ أخص الأحمّاء بالرجل زوجه ، فقصد التعريض بالمشركين بأن هذا الهول خاص بهم بخلاف المسلمين فإنهم هم وأزواجهم يحبرون لأنهم اتقوا اللّه في العفة عن غير الأزواج ، قال تعالى : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [ الزخرف : 67 ] . وتقدم نظير هذا في سورة المؤمنين ، أي ليس في المسلمين سفاح ولا زنا ولا مخالّة ولا بغاء ، ولذلك عقب بالتفريع بقوله : فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ .